أنفاس انتخابية وإحباطات نفسية

 بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

حالة من الإحباط أصابت الشارع الكويتي في الفترة الماضية ففي عام واحد أو أقل شهد الواقع السياسي الكويتي اضطراباً ملحوظاً فقد توالت ثلاث وزارات إضافية إلى ما يقارب عشرة استجوابات كل هذا في فترة وجيزة جداً والمحصلة لا شك اضطراب في الواقع السياسي، يثمر حالة الإحباط لدى المقترع الكويتي في الانتخابات القادمة، خاصة وان العلاقة التي يفترض فيها التوافق بين مجلس الأمة وبين مجلس الوزراء غير متحققة حتى ان البعض قد يعلن قائلا ما الفائدة من الانتخابات إذاً وربما قد تأتي بمجلس مهدد أو معرض للحل في أي لحظة، هذا لا شك أمر في غاية الخطورة على واقعنا السياسي، ومن هنا فإننا نأمل من الحكومة القادمة وفي أعضاء مجلس الأمة أن يحرصوا على نقل الناس من حالة الإحباط وفقدان الثقة التي يعيشونها إلى واقع الثقة المتبادلة والجهود المبذولة والتوافق العام على الأقل في العلاقة بين الأجهزة التنفيذية والأجهزة التشريعية، وليتنبه مجلس الوزراء وكذلك مجلس الأمة إلى أهمية التدرج في طرح المشاريع والقوانين، حتى لا يؤدي ذلك إلى إصابة الناس بحالة من التوتر والاحتقان خصوصاً وأن القوانين الأخيرة جاءت بدون تدرج وبدون تمهيد فممارسة هيئة القانون جعلت التكتلات التابعة للطائفة الشيعية بعد سجن زعمائهم تعيش حالة من التوتر مع النظام، وجعلت القبائل كذلك بعد عدم احترام قرارات شيوخهم ورؤساء القبائل فيما يتعلق بالانتخابات الفرعية، وكذلك إزاء قضية إزالة الديوانيات التي تتعلق بكل المواطنين وكذلك الزيادات على زيادة الرواتب، كذلك الغلاء الفاحش الذي نحياه، يضاف إلى ذلك كله الحدة في تطبيق القوانين والقوة العسكرية والجرافات وقوات الشغب بلا شك أن هذا سيؤدي إلى قطع كثير من الخيوط التي ارتخت خلال الفترة الماضية، ويؤدي كذلك إلى وجود حالة من الإحباط الذي يصيب أصحاب الآمال الكثيرة حين تتكسر آمالهم، فيشعرون بألم وحسرة وغصة في حلوقهم لا يذهبها الماء ويصبح هذا الإحباط آفة من آفات النفس يعوق فيها الإرادة الرافضة ويوقف الهمة العالية، ويبعث الوهن والضعف في القلوب فتقل مقاومتها وتفتر ويجعلها أقرب إلى اليأس منها إلى الرجاء، وإلى الخنق والغضب منها إلى الرضا ومعروف أن النفس الواهنة المحبطة ـ لا تبدع فكراً ولا ترفع إنتاجا، وكل همها أن تمارس الخمود في رواية الاستسلام فالإحباط قاتل للمعنويات، فهو سم بطيء ينتشر في جسد الأمة فتضعف مع الأيام مقاومتها.

 

ومن أجل ذلك خائف على وطني

 

إن خوفي اليوم على وطني نابع من حرصي على استتباب الأمن، الأمن الداخلي تلك النغمة العظيمة التي تفتقدها دول وشعوب كثيرة، ونحن ننعم بها ولكننا بممارساتنا المجحفة بحقها لا نقدرها حق ما تستحق من شكر وتقدير.

لا يمكن أن يستقر بلد ما بدون أسباب للعيش وأمن يحيط بتلك الأسباب، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى من نعمه على قريش أنه سبحانه: (أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)وهي نعم عظيمة لا أدري لماذا بعض أبناء جلدتنا يستهزئون بها، ويحاولون أن يمحقوها من حياتنا بممارساتهم الرعناء الطائشة.

لقد كان من دعاء أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام لربه:"رب اجعل هذا البلد آمناً"فالأمن من الثوابث التي لا يختلف عليه أحد من أهل هذا البلد، بل هو مقوم أساسي من مقومات المجتمع، فالأمن والطمأنينة والسلام متطلبات أساسية للإنسان، ونحن الكويتيين في غنى عن التذكير بأهمية هذا الثابت، وقضية الأمن اليوم أصبحت أساساً من أسس الاستقرار الاجتماعي والسياسي والتربوي، قال تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)1

ومقومات الأمن أوسع من أن تشملها اتفاقيات أمنية مع قوى عظمى، فهناك ما يستدعي عمله لتأمين الأوضاع الداخلية ونزع فتيل الخلافات السياسية والفكرية وغيرها، وهناك أيضاً ما ينبغي عمله لتوفير مقومات الأمن الدائم الذي يرتبط بتراث هذه الأمة أكثر من ارتباطه بقوى عظمى معرضة في يوم من الأيام إلى التفكك والانهيار.

إن حديثنا عن الأمن جزء لا يتجزأ من حديثنا عن الهوية، فالهوية التي دعونا إليها هي بمثابة المظلة التي يستظل بها الأمن الداخلي والخارجي للكويت.

فليس من أسباب الأمن هذه المماحكات السياسية المستمرة التي تجاوزت كل الأعراف والتقاليد السياسية وتحولت إلى خصومات شخصية وتصفية حسابات شخصية على حساب الصالح العام وأمن البلد واستقراره، والدفع بالأمور نحو التأزم المستمر والسير على حافة الهاوية بشكل متوتر، وإدمان الإثارة المفتعلة وضياع الأولويات والبرامج الوطنية، والدخول بنفق المزايدات القبلية والطائفيات، ومحاولة فرض المحاصصة السياسية التي لا تقوم على تقسيمات اللعبة السياسية وإنما على تقسيمات تفتيتية الاستدراج لها سيكون في غاية الخطورة والخروج منها بلا إصابات في أمن الوطن أشبه ما يكون بالمستحيل.

وليس من أسباب الأمن في بلدي أن يحترق جزء كبير من وقت القيادة السياسية العليا للأسف في يوميات العمل التنفيذية، فهذا بلا شك سيدخلها في نفق ضياع الأوقات وبعثرة الجهود وتشتت التركيز وغياب النظرات الكلية، والغرق في تفاصيل المشاكل المالية والاجتماعية، والشؤون الداخلية والخارجية.

نعم 00 ليس من أسباب الأمن في بلدي أن تضيع هيبة القيادات الكبرى في البلد ، لأن الجرأة السوقية على قيادات البلد وضياع الحكم سيجعل المواطن قلقاً على أمنه واستقراره، وهيبة الحكم لا تكون بقدرة الحاكم على فتح أبواب السجون ولا التلويح بسياسة العصا والجزرة، وإنما بالسياسات القيادية والممارسات الاستراتيجية التي تفرض رؤيتها على الموجودين، وإلا منذ متى عهدت الكويت ومنذ الشيخ صباح الأول هذا التجرؤ على رموز الحكم من أناس لا زالت جنسيات آباؤهم وأجدادهم لا تنتمي إلى الكويت، ولعل في ألسنتهم بقايا عجمة.

نعم 00 نريد الحوار ونشجع على إبداء الرأي، لكن أن يتحول الحوار إلى المس بهيبة الحكم، وأن تتفلت لغة الحوار من كل الضوابط القيمية والأخلاقية التي رضعناها من مباديء ديننا وأعرافنا الكويتية فهذا نذير خطر على الروح الأسرية التي تعودناها في العلاقة بين بيت الحكم وبيت الشعب، ومن يجهل هذه الأعراف يقرأ تاريخ الكويت وعلاقة الحاكم مع المحكوم قبل 60 سنة فقط لا أكثر، ليرى كيف يتعامل الناس حكاماً ومحكومين في حياتهم الاجتماعية والسياسية 00 أقول بمثل الممارسات00 نعم 00 إني خائف على وطني!!

وليس من أسباب الأمن هذه الخصومات الفكرية التي تحمل الفكرية التي تحمل لواء التشنج والتسفيه واتهام النوايا، واللعب بالمناطق المحظورة، واستجلاب شواذ الأقلام العربية واستضافتها على صفحات جرائدنا المحلية، ولينفثوا سمومهم ويخرجوا مكبوتة صدورهم تجاه صاحب كل موقف صلب وشجاع يبتغي لمن خلفه الكرامة والسيادة لأمته ودينه.

وليس من أسباب الأمن هذا الصوت العالي في تداول شؤون بلدنا، وهذا التوتر المستمر للأعصاب، وهذا الرفض الشديد للرأي الآخر مهما كان منطقياً ومعتدلاً ففي طرح فكرته، وهذا الجدل اليومي المستمر حول شؤون البلد، وهذه البيانات المتكررة التي تحدد مواقف أو تبين مطالب بشيء من التشنج وحدة في الألفاظ والكلمات، وهذا التذمر المستمر، وهذه القناعة المفقودة، وهذه الشكاوى المستمرة، وهذا التجهم الذي يحكم الجميع، وهذه السلبية القاتلة في التعامل مع القضايا الحيوية، وهذه المواقف العنترية الصغيرة التي لا تبنى على موازنات الشأن الإقليمي والدولي، وهذه الأطروحات الشاذة التي تستفز الشارع الكويتي وهذه المعارك المستمرة التي لا يسلم فيها مغلوب بحق، ولا يتواضع فيها غالب بحكمة.

وليس من أسباب الأمن ألا ندرك أبعاد جميع ما سبق من مخاطر ومستجدات ذات تأثيرات سلبية على وطني وأبناء وطني ومواجهة ذلك بالبرامج الوطنية الجادة التي يتفق عليها الجميع، وعدم ترك تلك المخاطر للزمن حتى تستفحل وتصل إلى نقطة اللا عودة كقضايا أخرى أهملناها فأصبحت من الصعوبة أن نتعاطى معها الآن وربما نعالجها بأسلوب المهدئات لا أكثر ولا أقل.

من أجل كل ذلك أنا خائف على بلدي، وكل بلاد المسلمين، لا أريد أن ينتصر الظلام على النور ولا أن يستوطن الخوف في قلوب الأطفال، ولا أن يخطف الإرهاب زهرة الشباب ولا أن يكون المستقبل هو ضحية خلافات الحاضر.

 

النقد من أجل النقد

 

في ظل هذه الأوضاع يكثر النقد الناتج عن الإحباط، وهو النقد الهدام الذي يستهدف النقد من أجل النقد، لتفريغ شحنة مكبوتة من الإحباط، أو للتخلص من المسؤولية الفردية في أخذ حظها من الإصلاح.

ولذا النقد لا يأتي في أطره السليمة وآلياته التي توصله للمعنيين، وهو كذلك لا يقدم الحلول البديلة أو المعقولة للقضية مثار البحث، وهذا النقد بحد ذاته يعتبر دليل عجز عن الخروج من حالة الإحباط وإيجاد نفسية تتفاعل مع الأحداث بإيجابية، وتعطي فسحة من الأمل لدى الآخرين..

هذا النقد ما إن سمعناه في منتدى أوديوانية، إذا تم فتح الباب فيه في أي تجمع كويتي تجده لن يقفل إلا بعد ساعات من تفريغ الكبت والشحن النفسي المليء بالإحباط عادة وأصبح الكويتيون رواداً في فقه "التحلطم"فيبدأ قطار النقد في الحديث عن العلاقة المتوترة بين المجلس والحكومة، ثم ينتقل للأداء السيء للاقتصاد الكويتي، وقد يعرج على أسعار النفط واحتياطي الأجيال، ولا بأس من الانتقال بعد ذلك إلى المقارنة بين الكويت ودول الخليج، ثم ينتقل النقد إلى الشارع، فيتم الهجوم على المرور والشوارع السيئة، والجريمة والمخدرات، وكثرة حالات الطلاق، والعنوسة، والبطالة، والحزبية والطائفية والقبلية، ثم يتحدثون عن الإسكان، ويرسلون قذائفهم على التربية ودواماتها، ثم عن قرارات البلدية، وسوء الخدمات الصحية، ورداءة الطاقم الطبي، وبيروقراطية الروتين الحكومي، وقد ينتقلون للشأن الخارجي فيسبون إسرائيل، ثم تنتهي حفلة الزار، ويذهب كل فرد إلى بيته في آخر الليل وقد ألقى بحمولة كبيرة من الإحباط في الديوانية، فيضع رأسه على المخدة وينام مرتاحاً، لأنه أكد في النهاية أن الجميع على خطأ، وهو الوحيد المواطن الصالح الذي على صواب.

 

على طريق العلاج

 

هذه الدوامة المستمرة والمتكررة في كثير من منتديات وديوانيات الكويت لا بد أن تصل إلى قناعة مفادها أن النقد والإحباط واستمرار "التحلطم"لن تغير الأوضاع السيئة إلى أوضاع حسنة، ولن تحول الصحراء المقفرة إلى واحة خضراء، فإذا ما أردنا الخروج من أسر هذا الغول المسمى الإحباط، فلا بد من اتخاذ وسائل عملية وقناعات فكرية تشكل منطلقات وثوابت قوية للخروج من هذا الحصار النفسي والوصول إلى واحة التفكير الإيجابي والنفسي المطمئنة التي تتفاعل مع أقدار الله بإيجابية وأمل، ونعتقد أن أهم أسباب الانتصار في معركتنا مع الإحباط تكمن في الأسباب التالية:

أولاً:مقاومة اليأس والتشاؤم، ولا يوجد مثل الإيمان يبث الأمل في النفوس، وتقوى الله الذي يعطي الطاقة والقدرة على مواجهة المواقف الصعبة وتخطي الإحباطات المؤثرة التي نواجهها في هذه الحياة الفانية، فالمؤمن التقي يستطيع مواجهة مثبطات الحياة ومحبطاتها بعدة أسس لا يستغني عنها ومنها:

1ـإحسان الظن بالله، فلا يأس ولا قنوط، ما دام المؤمن قد اتجه إلى الله وطلب رضاه في العسر واليسر والصحة والمرض والشدة والرخاء، فهذا سيدنا يعقوب عليه السلام يوصي بنيه فيقول: (ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) وهذا سيدنا إبراهيم عليه السلام حين جاءته البشرى على لسان الملائكة وقالوا له: (بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين)رد عليهم قائلاً: (ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) فإحسان الظن واليقين بأن الأمور لله يصرفها كيف شاء يقضي على الإحباط ويزيله.

2ـمعرفة حقيقة علاقة الإنسان بالحياة، وأنها تقوم على: سراء يشكر الله عليها وضراء يصبر عليها، فهو بين نعمة وبلاء وشكر وصبر، وبهذا المزيج تتكون الحياة ويعرف المسلم سرها فلا يبطر ولا يضجر فمن أين يأتيه الإحباط؟

3ـيعتقد المؤمن أنه لا توجد مشكلة تستعصي على الحل، لأن الزمن جزء من العلاج وكل شدة إلى فرج، وكل عسر إلى يسر، (فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً)وهكذا فإن العسر لا يغلب يسرين.

4ـالحياة تقوم على نظام التدافع الكوني والشرعي، الذي يجعل الحياة تنتقل من هزيمة إلى نصر ومن شر إلى خير (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض).

ثانياً:تطبيق شريعة الله، فالإيمان والتقوى من أسس علاج الإحباط عند الأفراد، وتطبيق شريعة الله علاج للإحباط عند الأمة والمجتمعات، فشريعة الله بما تمثله من قيم الحق والعدل والخير التي هي أساس إقامة أي مجتمع آمن ومستقر لقادرة على إيجاد منظومة متكاملة في الاقتصاد والاجتماع والسياسة بما تحقق الإشباع النفسي والمادي والروحي من خلال إيجاد عدالة اجتماعية تؤمن بتساوي الفرص، والحقوق، فبشريعة الله تسعد البشرية، ولقد رأينا كيف كان المجتمع الإسلامي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، حيث كان الرضى النفسي في أعلى مستوياته، وكان من مؤشرات ذلك أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد تولى القضاء لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولم يرفع له المسلمون قضية واحدة طوال سنتين كاملتين!!

ثالثاً: الصدق والإخلاص في بناء المجتمعات، والتخلص من الإثارة والمظهرية في تناول الشؤون العامة، وهذا دأب الغيورين الصادقين المخلصين، وخاصة من هم في موقع القيادة على أي مستوى من المستويات في الابتعاد بالأفراد عن الوقوع في مهاوي الإحباط متخذين من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: »كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته«.

هذا الصدق والإخلاص هو الذي يجعل من هم في موقع المسؤولية سواء في الحكومة أو في مجلس الأمة يقدمون المصلحة العامة، وعليها تدور برامج كل التيارات السياسية، لا أن يضع كل تيار سياسي في حساباته أن عليه أن ينازع التيارات الأخرى ويعرقل مشاريعهم واقتراحاتهم فقط من أجل إطفاء شعبيتهم حتى ولو كانت المصلحة العامة والتنمية هما الضحية، مما يجعل الخلاف ينبني على الحزازات النفسية الشخصية، وندخل في نفق الخلافات التي تفرق بين أبناء الكويت على أسس قبلية أو طائفية أو مذهبية، وتجري دوامة المساءلات وتبادل الاتهامات والنوايا كلها تحت لافتة المصلحة العامة، والمصلحة العامة بريئة منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وهي في حقيقتها ما هي إلا انعكاس لأحقاد باطنية تقوم على دوافع الانتقام والحسد والتشفي في الآخرين، وهذا يدخل البلد في دوامة ما إن تخرج منها حتى تدخل في أخرى، وهكذا أزمات تلد أخرى لن تكون نتيجتها إلا استمرار الإحباط، فاحذروا يا أبناء بلدي.