|
اأراني متقاصراً عن الكلام بين إقدام وإحجام، ألملم أوراقي العتاق، وأستسعى
للثبات والاستيثاق“ وأتلمس مخرجاً لهذا العثار في الكلام عن إمام الدعوة الإسلامية
وحامل لوائها في القرن العشرين بلا مدافع ولا منازع شيخ الدعاة، وإمام الحركيين،
ونبراس الداعين، الإمام الذي نحسبه ـ شهيداً مجيداً ـ عند ربه ـ حسن البنا “
فوجدت أن أبتدئ بما قاله تلامذته الأُوَّل أهل الفضل والأدب والدعوة والحركة أمثال
الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله حيث يقول في ديوانه «نفحات ولفحات» مادحاً
الإمام “ فيقول:
يا مرشدا قاد بالإسلام إخوانا
وهز بالدعوة الغراء أوطانا
يا مرشدا قد سرت في الشرق صيحته
فقام ـ بعد منام طال ـ يقظانا
فكان للعرب والإسلام فجر هدى
وكان للغرب زلزالا وبركانا
ربيت جيلا من الفولاذ معدنه
يزيده الضغط إسلاما وإيمانا
أردت تجديد صرح الدين إذ عبثت
به السنون فهدت منه جدرانا
فقمت تحمل أنقاضاً مقدسة
وعشت تعلي لدين الله أركانا
ترسي الأساس على التوحيد في ثقة
وترفع الصرح في الأخلاق مزدانا
حتى بلغت الأعالي مصلحا بطلا
تطل من فوقها كالبدر جذلانا
وثلة الهدم في السفلى مواقعهم
صبوا عليك الأذى بغيا وعدوانا
ترميك بالإفك أقلاما وألسنة
خانت أمانتها، يا بئس من خانا
وتنشر الزور أحزابا مضللة
تغلي صدورهمو حقدا وكفرانا
كذاك لابد للبناء من حجر
يصيبه أو يصيب الطين أردانا
ولم نلمه فهذا كله حسد
والغل يوقد في الأحشاء نيرانا
وانظر ليوسف إذ عاداه إخوته
فجرعوه من الإيذاء ألوانا
رأوه شمسا وهم في جنبه سرج
رأوا أباهم بهذا النور ولهانا
فدبروها بظلماء مؤامرة
ليبعدوا عنه وجها كان فتانا
ألقوه في الجب لم يرعوا طفولته
باعوه كالشـاة لم يرعوا له شانا
قلت: يا إمام الدعوة وحامل لوائها “ ما هو تشخيصكم للداء والدواء “ داء الأمة
العضال “ ودوائها الذي تناط به الآمال؟ وهل نسلم باليأس ونركن للاحباط “؟
قال: واصفاً حال الأمة وما آلت إليه وتحدث عن العلاج وأنه يحتاج إلى:(وعلاجها إنما
يكون بأمور ثلاثة: معرفة موطن الداء، والصبر على آلام العلاج، والنطاسى الذي يتولى
ذلك حتى يحقق الله على يديه الغاية ويتمم الشفاء والظفر).
وعن وسيلتنا في العلاج، فلها أركان ثلاثة تدور عليها فكرة الإخوان:
(أولها: المنهاج الصحيح: وقد وجده الإخوان في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه
وسلم.
وثانيها: العاملون المؤمنون: ولهذا أخذ الإخوان أنفسهم بتطبيق ما فهموه من دين الله
تطبيقاً لا هوادة فيه ولا لين.
وثالثها: القيادة الحازمة الموثوق بها: وقد وجدها الإخوان المسلمون كذلك فهم لها
مطيعون وتحت لوائها يعملون)1.
وكان رضي الله عنه يحارب اليأس ويدعو إلى الأمل:(إننا لسنا يائسين من أنفسنا، وإننا
نأمل خيراً كثيراً ونعتقد أنه لا يحول بيننا وبين النجاح إلا هذا اليأس، فإذا قوي
الأمل في نفوسنا فسنصل إلى خير كثير إن شاء الله، لهذا نحن لسنا يائسين ولا يتطرق
اليأس إلى قلوبنا والحمد لله، وكل ما هو لنا يبشر بالأمل رغم تشائم المتشائمين).
(وهم بحمد الله مؤمنون بفكرتهم، مطمئنون إلى غايتهم، واثقون بتأيد الله إياهم، ما
داموا له يعملون، وعلى هدي رسوله صلى الله عليه وسلم يسيرون)2.
قلت: يا إمام الدعوة “ يا حامل لوائها طيب الله ثراك وزكاك بالذكر الحسن بين
الأحياء.. وأعلى في الآخرة درجاتك ومكانتك “هلا حدثتنا عن ماذا تريد بدعوتك “؟ وما
تلك الأهداف والخطوات العملية لأداء تلك المهمة الإيمانية؟!
قال: حول أهدافنا والخطوات العملية لأداء مهمتنا: (نحن نريد: الفرد المسلم.. والبيت
المسلم.. والشعب المسلم.. لكن نريد قبل ذلك أن تسود الفكرة الإسلامية، حتى تؤثر في
كل هذه الأوضاع وتصبغها بصبغة الإسلام وبدون ذلك لن نصل إلى شيء) (أشار إليها
باختصار في رسالة: تحت راية القرآن)
(فنحن نريد: الفرد المسلم.. والبيت المسلم.. والشعب المسلم.. والحكومة المسلمة..
والدولة التي تقود الدول، وتضم الشتات، ثم حمل علم الجهاد والدعوة في العالم كله)
ويُفصل ذلك في رسالة إلى الشباب (نذكرها باختصار):
نريد الرجل المسلم: في تفكيره وعقيدته.. خلقا وعاطفة.. عملا وسلوكا «التكوين
الفردي».
ونريد البيت المسلم: ولهذا نعنى بالمرأة عنايتنا بالرجل وبالطفولة والشباب «التكوين
الأسري».
نريد بعد ذلك الشعب المسلم: في أخلاقه.. وعواطفه.. وتفكيره.. وعقيدته، فنعمل على أن
تصل دعوتنا إلى كل بيت، وكل قرية، وكل مكان.
نريد بعد ذلك الحكومة المسلمة التي تقود هذا الشعب، وسنعمل على إحياء نظام الحكم
الإسلامي بكل مظاهره، وتكوين الحكومة الإسلامية على هذا النظام.
ثم نضم كل جزء من وطننا الإسلامي، لإقامة دولة الإسلام العالمية (الخلافة الرشيدة).
ثم عودة راية الإسلام للأماكن السليبة كـ: (الأندلس ـ صقلية ـ البلقان ـ جنوب
إيطاليا “ إلخ).
ثم إستاذية العالم ونشر الدعوة للناس جميعا، وأن نعم بها آفاق الأرض ونخضع لها كل
جبار.
وقد فصل فضيلته بعض النقاط التي أجملها:(إن غاية الإخوان تنحصر في تكوين جيل جديد
من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح يعمل على صبغة الإسلام بالصبغة الإسلامية
الكاملة في كل مظاهر حياتها)3.
قلت: لله درك يا شيخ الدعاة وإمامهم وماذا يترتب على تلك الأهداف الكبيرة وما هي
مراتب العمل ومنظومة القيم الواجب على الداعي الالتزام بها كي تحقق أهداف الدعوة
على ما ذكرته آنفاً؟ !
قال:(الغرض الأول الذي ترمي إليه الجماعة: «التربية الصحيحة» تربية الأمة على النفس
الفاضلة.. والخلق النبيل السامي.. وإيقاظ ذلك الشعور الحي فيها، لتزود عن كرامتها
وتسترد مجدها)4 اذكروا دائما أن لكم هدفين أساسيين:
ـ أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي.
ـ أن تقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة » تعمل بأحكام الإسلام وتطبق نظامه
الاجتماعي، وتبلغ دعوته للناس).
(يشمل ذلك كل أنواع الهيمنة: العسكرية.. ثقافية.. اقتصادية.. اجتماعية.. إلخ).
(ونريد تحقيق ذلك في وادي النيل وبلاد العروبة وكل أرض أسعدها الله بعقيدة الإسلام)
5.
ويترتب على هذه الأهداف الكبيرة مراتب العمل المطلوبة من الأخ:
إصلاح نفسه
حتى يكون: قوي الجسم.. متين الخلق.. مثقف الفكر.. قادراً على الكسب.. سليم
العقيدة.. صحيح العبادة.. مجاهدا لنفسه.. حريصا على وقته.. منظما في شؤونه.. نافعا
لغيره.
تكوين بيت مسلم
يحمل أهله على احترام فكرته، والمحافظة على آداب الإسلام في كل مظاهر الحياة، وحسن
تربية الأولاد، وتنشئتهم على مبادئ الإسلام.
إرشاد المجتمع
بنشر دعوة الخير فيه ومحاربة الرذائل، والأمر بالمعروف، والمبادرة إلى فعل الخيرات،
وكسب الرأي العام إلى جانب الفكرة الإسلامية، وصبغ مظاهر الحياة العامة بها دائما،
وهذا واجب كل أخ على حدة، وواجب الجماعة ككل.
تحرير الوطن
ـ بتخليصه من كل سلطان أجنبي (سواء كان سياسيا أو اقتصاديا أو ثقافيا أو عسكريا).
ـ إصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية حقاً.
ـ إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية (الخلافة الراشد).
ـ أستاذية العالم بنشر الدعوة في ربوعه.
وهذه المراتب الأربعة الأخيرة تجب على الجماعة متحدة، وعلى كل فرد فيها باعتباره
عضوا منها6.
ثم هاهو ذا يُذكر الإخوان بواجبهم “. ويقول رضي الله عنه:(إنكم روح يسري في قلب هذه
الأمة فيحييه بالقرآن، فنحن دعاة الإسلام).
ويُذكر الإخوان بواجباتهم
آمنوا بالله واعتزوا به وتوكلوا عليه ولا تخافوا غيره “ تخلقوا بالفضائل والأخلاق
واعتزوا بذلك“ أقبلوا على القرآن تتدارسونه، وعلى السنة المطهرة وكونوا عمليين “
تحابوا فيما بينكم “ واحرصـوا على رابطتكم، فهي سر قوتكم“ واثبتوا“ اسمعوا وأطيعوا
لقيادتكم في العسر واليسر، والمنشط والمكره » فهي رمز جهادكم “ ترقبـوا بعد ذلك نصر
الله وتأييده7.
قلت: لله تلك دعوة أسسها الإمام الشهيد ـ بإذن الله ـ دعوة خالدة ترتكز على الإسلام
مفهوما ووسيلة وغاية “ إذن ماذا عمن يثير شبهات فارغة جوفاء تقول إن دعوة الإخوان
هي رد فعل “ ماذا تقولون يا تلامذة وتابعي الإمام “ حامل راية دعوة الإسلام.
فانتهض أحدهم ـ وهو الاستاذ فؤاد الهجرسي ـ وأنشط للرد على تلك الفرية “ وهذا
الهراء الذي لا يقوله إلا جاهل بدعوة الإخوان “ أو حاقد عليها معاد لها “ راكب
لرأسه وهواه “
وقال: دعوتنا ليست رد فعل
ودعوة الإخوان ليست مجرد رد فعل، سواء لعوامل سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو
حتى رد فعل لتيار التغريب، وإن كانت أهدافها ومنهاجها يغطي كل الجوانب ويتصدى لها.
إنه من الأمور اليقينية، أن حركة الاخوان لم تدفع إليها عوامل سياسية تتعلق بقضايا
الاستقلال والدستور، أو رفض النظام القائم، ولكن دفع إليها إيمان ركيز بأن الإسلام
نظام حياة شامل لا يستقيم ظله إلا بالإيمان بالكتاب كله، والدولة جزء من منهاج
الحياة الذي رسمه الإسلام، وليست هناك بدائل عن هذا النظام، كما أنه ليست هناك
بدائل عن وسيلة التغيير التي رسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والقارئ لكلمات الإمام ورسائله يدرك هذا جيداً: شمول ووضوح الأهداف والغايات منذ
أول يوم انطلقت فيه الدعوة، وإن كان التنفيذ العملي يقتضي التدرج في الخطوات
والإعداد الجيد مثلما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويرد هذا الافتراء الكاذب بأن الإخوان بدأوا وليس لهم علاقة بالسياسة ثم تحولوا
إليها عندما أحسوا أنهم قوة.
إن الواقع الذي أحاط بالأمة الإسلامية وما تتعرض له من حملات ومؤامرات، كل هذا كان
يدركه حسن البنا، فلم تكن خطواته عشوائية، ولم ينهض بدعوته من فراغ، ولم يكن
أنموذجا فريدا لفريق الشباب المتدين الرافض لتيار الغرب ـ كما يدعي البعض ـ ولكنه
كان نموذجا فريدا لفريق الشباب الرافض لكل نظام سوى الإسلام، وليس تيار التغريب
فحسب.
وكانت نقطة البدء عند الإمام البنا تكوين الفرد على العقيدة الصحيحة والخلق السليم
لتفجير طاقته الإيمانية لإيجاد القوة التي يحتاجها المصلحون في تحقيق البناء
المنشود.
إن الظروف والأحوال لم تكيف خصائص دعوة الإمام البنا، وإنما استطاع هو أن يصلح
الأرض التي تنبت عليها الثمرة لتصح بها وتزكو.
قلت: يا إمام الدعاة “ يا شهيد الإخوان الأول ـ بإذن الله ـ هل أخبرتنا عن موقع
العقيدة من دعوة الإخوان “ وما العلاقة بين الدين والسياسة كما ترونها.
قال: لله درك يا بن ياسين “ هلم واسمع ما قلته عن موقع العقيدة من دعوتنا “
ومكانتها في منهاجنا “
فالإخوان المسلمون يعتزون بعقيدتهم ويعملون ويضحون في سبيلها، ابتغاء رضوان الله
(حَتَّى لا تَكُونَ فًتْنَةي وَيَكُونَ الدًّينُ كُلُّهُ لًلَّهً)8.. فهم لا يسعون
لمنافع دنيوية أو لجاه أو سلطان، وإلا لتخلوا عن ذلك إزاء ما لاقوا من عنت وتعذيب
وقتل.
الأعداء يوجهون اتهاماً للإخوان، أنهم أدخلوا السياسة في الدين.. وأنهم يريدون
الاستيلاء على الحكم بالقوة.. وهذا ادعاء كاذب لا يسانده أي دليل.. فالأعداء يريدون
عزل الدين عن السياسة، وهذا افتراء على الدين الاسلامي.
ثم يقول ما نصه:(فحدثوني بربكم أيها الإخوان، إذا كان الإسلام شيئاً غير السياسة
وغير الاجتماع وغير الاقتصاد وغير الثقافة، فماذا إذن؟.. أهو هذه الركعات الخالية
من القلب الحاضر؟! ألهذا نزل القرآن الكريم نظاماً كاملاً محكماً مفصلاً؟).
ثم يقول:(الإسلام عقيدة وعبادة ووطن وجنسية وسماحة وقوة وخلق ومادة وثقافة وقانون،
وأن المسلم مطالب ـ بحكم إسلامه ـ أن يعنى بكل شؤون أمته ومن لم يهتم بأمر المسلمين
فليس منهم).
ويقول أيضاً: (أستطيع أن أجهر في صراحة بأن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان
سياسياً بعيد النظر في شؤون أمته، مهتماً بها غيوراً عليها).
الإخوان يعملون لصالح شعوبهم ويسعون لتطبيق شريعة الله التي تحقق الخير كل الخير
للناس، وأي حكومة تطبق شرع الله سيكون الإخوان جنوداً لها.
الهوامش:
1 رسالة: دعوتنا
2 رسالة: دعوتنا
3 رسالة: المؤتمر الخامس
4 رسالة: هل نحن قوم عمليون؟
5 رسالة: بين الأمس واليوم
6 رسالة: التعاليم
7 رسالة: بين الأمس واليوم
8 سورة الأنفال: 39
المزيد
من مقالات منتدى
الفكر والحضارة
|