كلمة المشرف

حوارات مع الدعاة

قريبا معهد السماحة للدعاة

خريطة الموقع

 

  منتدى الفكر والحضارة           

حماس بين ثمرة التكتيك وجمرة الثوابت

بقلم المشرف العام

الشيخ الدكتور جاسم مهلهل الياسين

 

القضية الفلسطينية بين ثلاثينيات القديم وثلاثينيات الحديث

  التقيت بالحافظ د. جمال الدعيج على مائدة إفطار «بومشاري» فسألني أن أوضح المراد من مقال السبت الماضي «المبادرة العربية والمناورة الإسرائيلية» ولمعرفتي بأن الدكتور يقرأ ما أكتب منذ أكثر من 15 عاماً فاستجبت له لأبين في هذه الأسطر رأيي بعد الاستعراض العام الذي ورد في المقال السابق فأقول وبالله التوفيق:
المتأمل في تاريخ القضية الفلسطينية القديم والحديث يجد توأمة غريبة في ثلاثينية زمنية تحكم كلا فترتي الاحتلال الصليبية في القديم والصهيونية في العصر الحديث.
ففي القديم سقطت القدس في يد الصليبيين سنة 1098م، وبعد ثلاثين سنة تقريباً بدأت بوادر حركة الجهاد التي قادها صاحب الموصل الأمير مودود الذي تحالف مع الأتابك لطفتكين صاحب دمشق للتصدي للفرنجة، والذي انتصر على الفرنجة في معركة طبرية وكانت سيرته نموذجاً لصلاح الدين الأيوبي.
وبعد ثلاثين سنة أخرى كانت الدولة الفاطمية قد دخلت مرحلة الشيخوخة بوفاة واليها الفائز بنصر الله سنة 1160م وتولى العاضد لدين الله الأمور، وبداية دخول نور الدين ومن بعده صلاح الدين إلى مصر وضمها مرة أخرى للخلافة العباسية.
وبعد ثلاثين سنة مماثلة وفي عام 1187تم تحرير القدس بعد معركة حطين لتتحرر كامل فلسطين بعد تسعين عاماً من الأسر والتفكك والمؤامرات الداخلية بين الدويلات الإسلامية المختلفة في تلك الفترة المضطربة من تاريخ الأمة؟.
ونجد تلك الدورة الثلاثينية تعود في العصر الحديث، ففي سنة 1917م صدر وعد بلفور المشؤوم «وعد من لا يملك لمن لا يستحق» وبعده بثلاثين سنة قامت دولة الصهاينة العنصرية على الأرض الطاهرة في فلسطين.
وبعد ثلاثين سنة أخرى، تم تحول دراماتيكي في طريق تعامل الطرف العربي مع قضية فلسطين عندما استفرد الرئيس المصري أنور السادات بتوقيع معاهدة كامب ديفيد في 1978/9/17م.
وها نحن اليوم وبعد ثلاثين سنة نجد أن جهة المعارضة للمشاريع السلمية تكاد تنهار تحت ضغط الحصار المستمر والضربات المتلاحقة لكل راية من رايات الجهاد تحت ذريعة «محاربة الإرهاب».
وبدأت الأصوات التي كانت سابقاً توصف بشذوذ مواقفها السياسية والخيانية تظهر وكأنها أصوات عاقلة وحكيمة ومعتدلة تتفهم الواقع ومتطلباته وتحاول الحصول على الممكن والمعقول، بينما أصبحت الجهات التي تحاول أن تحافظ على راية الجهاد في فلسطين تصور على أنها جهات متطرفة ومتشددة لا تستطيع التعاطي بواقعية مع الظروف الإقليمية والدولية.
 
فتحها عمر وحررها صلاح الدين فمن لها الآن؟
تاريخياً تم فتح وتحرير أرض فلسطين مرتين الأولى على يد الخليفة العادل عمر بن الخطاب الذي كان شعاره في التحرير «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله» والثانية على يد القائد صلاح الدين الأيوبي الذي لم يكن يبتسم وهو يرى القدس سليبة في أيدي الصليبيين.
هذه المقارنات والمفارقات التاريخية والسياسية، لا شك تجعلنا نتأمل في تجربة التحرير الثانية «صلاح الدين» التي تطورت فعالياتها وتتوجت بتحرير القدس، بينما واقعنا المعاصر يكاد يكون معاكساً لهذه التجربة بحيث تحولت الأقلية المنادية بالسلام مع العدو إلى أغلبية ترمي كل جهد يرمي للتحرر بالتطرف والتشدد وعدم الواقعية، بحيث أصبح وضمن تلك المعادلة الرئيس «أنور السادات» رجلاً سياسياً فريداً سبق عصره وقرأ المستقبل بشكل صحيح!!
 
حروب القيادات العربية وفلسطين الضحية..!
والحقيقة إننا إذا راجعنا كل الحروب العربيةـ الإسرائيلية لوجدنا دخناً كبيراً في النوايا والبنيان الفكري الذي انطلقت منه تلك المحاولات العسكرية يدخل بعضها في تصدير المشاكل الداخلية للدولة إلى الخارج، وبعضها في أطماع السيطرة على القرار العربي وقيادته، وبعضها الآخر في تصفية الخلافات العربيةـ العربية وكانت فلسطين هي الضحية التي تدفع في كل مرة.
فعندما قاد جمال عبدالناصر المعركة ضد إسرائيل، فقد حولها إلى معركة قومية أسال فيها دماء شباب الحركة الإسلامية الأطهار بعد أن تمت تصفية الإمام حسن البنا في عهد الملك فاروق، وليقود جمال معركة قومية الفكر مع محاربة واضحة لدور الدين في المعركة، فكانت معاركنا مع إسرائيل معارك صوتية استخدم فيها المذيع أحمد سعيد كافة صنوف أسلحة الخداع والكذب حتى توجت تلك الأحلام الهشة بنكسة عام 67 وسقوط قيادة التيار القومي للمعركة بعد أن استعدى التيار الإسلامي بلا مبرر حقيقي.
وما فعله عبدالناصر في شباب الحركة الإسلامية في مصر، فعل ما يشابهه حافظ الأسد في حمص وحلب، حيث تم محو مدن وأحياء بكاملها بإشراف رفعت الأسد الذي يسوق نفسه اليوم «منقذاً لسورية» على أجنحة الديمقراطية الأمريكية التي جاءت للمنطقة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر!!.
ثم جاء أنور السادات، وبدلاً من أن يصلح الخلل في تطبيق استراتيجيات التحرير التي يتبناها كل قومي في العالم تسعى لمقاومة المحتل، قام بنسف تلك الاستراتيجية وانقلب عليها، وأدخل العرب في دوامة المشاريع السلمية بشكل عملي بعد أن كانت أصوات تصدر على استحياء ها هنا وها هنا، وتقابل بردة فعل يلجمها الصمت.
ثم جاء حامي البوابة الشرقية ليقود العرب إلى التحرير المرتقب، فإذا به يضل الطريق، فتارة يريد تحرير فلسطين عن طريق البوابة الإيرانية، في حرب مدمرة استمرت ثماني سنوات حرقت الأخضر واليابس، وتارة أخرى عن طريق غزو الكويت الذي جاء كارثياً على كل المستويات وكان من ثماره المريرة اتفاقات مدريد وأوسلو التي أدخلت الجميع في متاهة خرائط الطريق التي لا نهاية لها وكانت نهاية هذا الطاغية كما رأينا قبل أيام في الذكرى الرابعة لسقوط بغداد في يد الاحتلال الأمريكي بسبب رعونته وطيشه.
وهاهي إيران اليوم تكمل عزف السيمفونية النشاز، فتريد تحرير فلسطين تارة عن طريق إشعال نار الحروب التكتيكية في لبنان والتي أدت إلى تدمير البنية التحتية لبلد يعاني من أزمات لا تنتهي، وتارة أخرى من خلال إشعال الحرب الطائفية في العراق، والتي إن بدأت فلن تبقى محصورة طويلاً داخل الحدود العراقية، وسيصيب إيران «طشار» لن تخرج منه كما كانت.
  
رسالتي إلى الأخوة في حماس
نقول هذا الكلام ولا نريد ـمن أجل الصدق مع أنفسنا - أن نكون صقوراً فنصدر أحكام التخوين عندما يكون العلماني والليبرالي في الواجهة ثم ننقلب حمائم عندما يكون الإسلامي هو الذي في الواجهة، ومن ثم نبحث له ألف تبرير وتبرير في القضية التي نرى أنها لا تتفق مع مصالح الأمة وتجاوز ثوابتها وإجماعها.
نضيف المزيد من التوضيح ونضع النقاط على الحروف ونحن نراقب ونرى وتأخذنا الدهشة من بعض تصاريح قادة حماس التي نشتم فيها رائحة الهلامية والميوعية «فالحق أبلج والباطل لجلج» كما يقولون ونحن نعرف أن ميثاق حماس الذي صدر في 1988/8/18 يرفض الحلول السلمية والمبادرات الدولية التي تتعارض والحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، وترفض الاعتراف بشرعية دولة إسرائيل، كما ترفض قرارات الأمم المتحدة التي تعطي شرعية لوجود هذه الدولة.
ومن واجبنا أن نقول كلمة واضحة لأحبتنا في حماس نبرىء بها ذمتنا أمام الله ...
فحماس التي تتحدث عن القدس وتحرير الأرض المحتلة غير حماس التي تتحدث عن الوحدة الوطنية والتوافق الوطني...
وحماس التي تتحدث عن دماء الشهداء وتضحيات الأسرى غير حماس التي تتحدث عن السلطة والتكتيكات المرحلية...
وحماس التي تتحدث عن الجهاد الشرعي هي غير حماس التي تتحدث عن الجهاد «المدني»!!.
وحماس التي تتحدث عن تحرير كامل التراب الفلسطيني غير حماس التي تتحدث عن المبادرة العربية «كحد أدنى».
وحماس التي تتحدث عن قضية التحرير غير حماس التي تتحدث عن عودة اللاجئين.
وحماس «الشيخ ياسين» و«الرنتيسي» و«يحيى عياش» غير حماس «المبادرة العربية» والإجماع العربي وحكومة سلطة أوسلو!!
إننا نقدر وبشكل كبير الأمانة التي تحملها حماس تجاه شعبها ومتطلباته المعيشية.
كما نثمن صمود حماس طوال تلك الفترة السابقة بحيث كشفت زيف النداء الأمريكي بنشر الديمقراطية واحترام حقوقها، كما كشفت تواطؤ بعض الأطراف العربية والفلسطينية ضد تجربتها الرائدة في السلطة ونظافة يدها التي أخرجت أصحاب الأيادي القذرة التي ما إن تنتهي من قص شريط افتتاح كازينو أريحا حتى تسارع لنيل حقها من كعكة مقاولة الجدار العنصري الذي يخنق القدس وبقية المناطق الفلسطينية.
إننا نشهد بكثير من الحنكة السياسية لحماس بحيث رأينا كيف سارت على حبل رفيع جداً، موازنة بين الحصول على المكتسبات السياسية من جهة والحفاظ على الثوابت من جهة أخرى، وبين مواجهة الضغوط الغربية والعربية من جهة وعدم السقوط رهينة للقرار الإيراني من جهة أخرى.
ولكننا ننصح الأحبة في حماس أن غبار المعركة أطهر بكثير من «كراسي السلطة» التي لا تدوم والتي نعرف عن قرب زهد رموز حماس فيها، كما أن ظلام دار الأرقم أفضل بكثير من أضواء وعدسات وكالات الأنباء وبريق الظهور الإعلامي.
باختصار.. نريد أن نقول لأحبتنا في حماس انهم إذا وصلوا إلى طريق مسدود ولم يستطيعوا التوفيق بين «الخندق» و«الفندق» فالعودة للخندق ولباقة الجهاد والمرابطة أفضل من ترهل سوق السياسة المليء بالمخازي والسقوط.
ونرجو أن تصل رسالتنا .. والحر تكفيه الإشارة!!

 

   
 

  الصفحة الرئيسية | رسالتنا | خريطة الموقع | مقالات وأبحاث | كتب ومؤلفات |اتصل بنا
جميع الحقوق محفوظة لشركة السماحة © 2007