كلمة المشرف

حوارات مع الدعاة

قريبا معهد السماحة للدعاة

خريطة الموقع

 

  منتدى الفكر والحضارة           

سيد قطب شاهد على عصره وعصرنا 1-2

بقلم المشرف العام

الشيخ الدكتور جاسم مهلهل الياسين

 

 

 

بدا لي أن أكتب عن رمز من رموز الصمود في وقت أصبح من العسر بمكان الإشارة إلى كتّاب عاهدوا ربهم وأسلموا أقلامهم لدينهم... دفاعاً عن أمتهم حتى لو زجوا في السجون... ولاقوا العنت والشجون...!

مرارات.. وحسرات تتدافعني حين الكتابة وتفرض عليّ أن اختار رمزاً صامداً.. عاش في سبيل نصرة دينه ورفعة أمته... وما استخدى.. ولا استجدى..ولا تصاغر ولكنه علا بدينه.. واعتز بقلمه وعاش بمبدئه كالجبال الرواسي صامداً مجاهداً لا يحيد ولا يميد.. ولا يبيع شعره بحفنة شعير...

ولا يتجر بنثره لنثارة خبز...!! إنه الشهيد بإذن الله.. والباسل في سبيل الله...

تعال معي في تلك المحاورة التي تخيلت نفسي واقفاً بين يديه متلمساً من علمه ومستزيداً من فكره عساي أنتفع من نفثاته ونثاراته وأبكار أفكار قريحته.. سالكاً في ذلك سبيل السؤال والجواب قلت.. وقال...

ولا يخفى على الفن ما لذلك من جرد لأفكاره وقصد لإظهار مثالب عصرنا وقياسها بمثالب عصره ومحاولة التعرف عن أسباب السقوط... ومدارج تاريخ الدعوة... عسانا نجتنب موارد الزلل ودركات الانقطاع عن القائلين العاملين أمثال سيد قطب..

 

سيد قطب المنشأ.. والتكوين

 

قلت:

ولد سيد قطب في أسرة ظاهرة الامتياز بقيمها... وكانت مركز إكبار وإجلال حيث مثل والده عائلته كلها فكان عميد الأسرة الكبيرة... كما أن سيد قطب استشرب هذه العمادة في الفكر عن والده، كما استقى عنه تدينه وقيامه بأداء فرائض الإسلام على وجه التمام ولآل قطب سيرة راسخة في التدين والأصالة والصبر ابتدأت بسيد قطب ثم بإخوانه وأخواته...

فقد عُذبت أخته نفيسه الكبرى وقتل لها ولد في السجن لأنه لم يشهد ضد خاله سيد وسجن الآخر وأمينة أخته نالها نصيبها من العذاب وقتل زوجها السنانيري في السجن سنة 1981، وأخوه محمد - حفظه اللهـ ناله من نصيبه من العذاب الأليم في سجون عبدالناصر حتى أفرج عنه في مطلع السبعينات وهو مدرس الآن في جامعة الملك عبدالعزيز منذ سنة 1972م إلى الآن ولمحمد مع أخيه سيد وشائج ووثائق وصلات فوق النسب في الفكر والحب والخلة والصداقة..

قلت لسيد:

حدثني عن طفولتك؟

قال:

طفولتي استمالت إلى رجولة مبكرة فلم أمضً في دروبها ولم أنعم كأطفال المسلمين في ردهات المدارس الغربية في الغرب أو في بلادنا الإسلامية إذ يغتذون على مبادئ الغرب ويشربون قيمهم في صغرهم...

وإنما نشأت على الجد الصارم.. وجعلتني أتوهم وأنا في العاشرة من عمري أني بلغت مبالغ الرجال فرحت أتقمص الجد وادعى الجلد.. واستتبع العصامية في كل شيء وكأني أنشد قول القائل:

لَوْ عَدُّوا العُمْرَ لَمَا وَجَدوا قَدْ جَاوَزَ سًنَّاً لًلَّعًـبً

قلت:

إن في وجهك سمرة بادية...!

قال:

نعم سفعتني شمس المحن لا شمس السماء، وعلاني غبار التعذيب وأرهقتني كرابيج الزبانية في الزنازين... وأنهكتني الأمراض لأمتي.. لا أعراض علتي..!!

ثم إنه أشار إلى أخيه محمد ليروي عنه هذا الجواب.

قال محمد قطب:

وجدته يشكو كثيراً من الأمراض، ولا طاقة للبدن أبداً - مهماً كان قوياًـ أن يحتمل النفس الكبيرة:

وَإًذَا كَانَتً النُّفوسُ كًبَاراً

تَعًبَتْ في مُرَادًهَا الأجَسامُ1

ولقد وجدته وقد نالت منه الأيام، فبدت آثارها على وجهه.. وفي جبهته أخاديد عميقة، وفي عينيه حمرة، وفي شعره الأسود القاتم شيباً.

قلت:

أيها الشهيد أراك نحيل البدن حقيقاً بما قاله فيك الشيخ علي الطنطاوي «لطيفاً هادئاً، تبدو عليه سيما المسالمة والموادعة والإيناس» فما بالك جاد القول.. صريح المهاجمة.. صعب المنازلة للباطل كأنما تحيي في كتاباتك عهود ابن حزم مع مجادليه أتراك واقفاً معه في خندق واحد...؟!

قال:

دع عنك نحول جسمي.. وموادعة شكلي.. فما الناس بأشكالهم وما الحق يوزن بأجسادهم، أما سمعت القائل وهو عباس بن مرداس:

تَرَى الرَّجُلَ النَّحيلَ فَتَزْدَريهً

وَفي أَثْوابًهً أَسَـدي هَصُورُ (2)

ولتعلم... وتُعلم إخوانك.. أن العبرة بالروح التي يحملها الكاتب بين جنبيه...

قلت:

التبس على الكثيرين سفرك إلى أمريكا ما بين قائل إنه ذهب ليكرم بسبب محاربته الشديدة العنيفة للاشتراكية والشيوعية000حتى زعم كثير منهم أنك عميل لها.. ونبتاً من دوحة فكرها؟!

قال:

بخ بخ...!!! لقد اضحكتني بعد استعبار...!! من لي برفقة وعمالة الأمريكان؟! وكيف ومتى وأين؟!!

إنما سفري لها لإخراجي من بلدي حيث كنت أعمل مفتشاً فنياً بوزارة المعارف وأراد القوم مني تحضراً وإن شئت فقل تحدراً بالإطلاع على مناهج ونظم التعليم في أمريكا ووافقت منيتهم منيتي... وإرادتهم إرادتي مع فارق جوهري... أنهم أرادوني مستغرباً... منسلخاً عن ديني وعروبتي.. وأردت أنا أمريكا لاستبصر حقيقة واقعها الاجتماعي وتطورها المادي... ومناهجها التي نبني بها أوطاننا ونحيي بها أمتنا مما يوافق أصولنا وإسلامنا...أرادوا.. وأردت.. ومكروا.. ونجوت والحمد لله رب العالمين.

 

بين رحلة سيد قطب... ورحلات أقطاب اليهود وأسياد اللذة إلى أمريكا وأوربا

 

قلت:

حدثني عن رحلتك إلى أمريكا ماذا أفدت منها وما عجيب ما نقلت عنها...إذ طالت سفرتك أياماً بالباخرة... في عباب البحار ماخرة.. فجدير أنها بالعجائب زاخرة...؟!

قال:

أما عن فوائد سفري فهي عديدة... وقصصها لديّ مديدة وسأحدثك عن أطراف منها وخاصة في طريقي إليها.

قلت:

حدثني إذن.. فكلي لك أذن...!!

قال:

أفدت فوائد جمة من سفري إلى أمريكا في تاريخ 1948/11/3 حيث أقلعت باخرتي.. فانتشط ذهني واقتدحت قريحتي ورحت أتأمل في:

ـ1 نعمة الله على الناس في تسخير البحر «ما أحسست ما في هذه اللفتة من عمق قدر ما أحسست ونقطة صغيرة في خضم المحيط تحملنا وتجري بنا، والموج المتلاطم والزرقة المطلقة من حولنا، والفلك سابحة متناثرة هنا وهناك، ولا شيء إلا قدرة الله، وإلا رعاية الله، وإلا قانون الكون الذي جعله الله، يحمل تلك النقطة الصغيرة على سطح الأمواج وخضمها الرهيب».

ـ2 قلت لنفسي وأنا مسافر: «أأذهب إلى أمريكا وأسير فيها سير المبتعثين العاديين، الذين يكتفون بالأكل والنوم، أم لا بد من التميز بسمات معينة، وهل غير الإسلام والتمسك بآدابه والالتزام بمناهجه في الحياة وسط المعمعان المترف المزود بكل وسائل الشهوة واللذة الحرام؟».

ـ3 بعدما قررت اختيار الالتزام بالإسلام، والدعوة إليه في أمريكا ندت لفتنتي إحدى الأمريكيات على ظهر الباخرة فأعانني الله وحماني من فتنتها فتجلدت قبل خوض عباب المفاتن في أمريكا وقبل ولوج شاطئها المغرق بالملذات شهوات وشبهات.

ـ4 تحول هذا الاستيلاء على الشهوات والمغريات إلى دعوة إلى الله على ظهر السفينة حيث أبصرت مبشراً على ظهر السفينة يحاول فتن الناس عن دينهم فمضيت متوفراً بمشاعر الإيمان إلى القبطان وطلبت منه السماح لكل ركاب الباخرة المسلمين بصلاة الجمعة.. وتمت الصلاة وكنت خطيب الصلاة.. حتى أعجبت سيدة نصرانية يوغسلافية بمشهد الصلاة العجيب وخاصة لقراءة القرآن.!!

قلت:

حدثني عن رحلتك مع الإخوان.. فيم.. ومتى.. كيف.. ؟!

قال:

لقد أعجبت بالإخوان إعجاباً امتلك عليّ عقلي ووجداني وكل مشاعري حيث أعجبت بالمؤسس الأول حسن البنا رحمه الله وقد عبرت عن ذلك بانضمامي إليهم في مطلع سنة 1953 حيث بنى البنا الإخوان على أسس سليمة فجاء بناؤه روحياً نفسياً في كل نفس فرد وبناءً فكرياً متوازناً في تصور الأفراد والجماعة وبناءً تنظيمياً متيناً رفيعاً لدى الأفراد، ولدى الوحدة التنظيمية للجماعة.

ولي مقال عن «حسن البنا وعبقرية البناء» قلت فيه: «لقد عرفت العقيدة الإسلامية كثيراً من الدعاة.. ولكن الداعية غير البنّاء.. وما كل داعية يملك أن يكون بنّاءًـ مشيراً إلى حسن البنا حيث إن اسمه «البنا» أي البناءـ وما كل بنّاء يوهب هذه العبقرية الضخمة في البناء!!

هذا البناء الضخم.. الإخوان المسلمون.. إنه مظهر هذه العبقرية الضخمة في بناء الجماعات

ثم قلت:

حيا الله الإخوان المسلمين.. لقد تلفتت مصر حين جد الجد، وتحرج الأمر، ولم يعد الجهاد هتافاً وتصفيقاً، بل عملاً وتضحية ولم يعد الكفاح دعاية وتهريجاً، بل فداءً واستشهاداً.

قلت:

حدثنا عن صفقات النظام معك قبل استشهادك.. وفيم ساموك.. ولم أعدموك؟

قال:

انضممت إلى الإخوان مطلع عام 1953 ثم مضت بي سنون حتى أصابني لفح لهيب السلطة، فاعتقلت في 1965/8/9 ثم حقق معي صلاح نصر.. وأوسعني زبانية عبدالناصر سوء العذاب.. ثم حاكمني الدجوي.. وما رقت السلطة لمرضي.. ولا استمعوا لمقالي، ولا اعتبروا بإدانة منظمة العفو الدولية لمحاكمتي.. وما.. وما000وقبل قتلي بأيام أرسلوا إلي يساومونني بأن:

أ ـ اترك التنظيم الإخواني الجديد.

ب ـ اكتب ولو سطراً واحداً أو جملة للرئيس عبدالناصرأسترحمه واستعطفه.

ج ـ أن أتخلى عن دعوتي.. واعتذر عن عملي مع الله ومقابل ذلك فهناك المال والجلال والرفعة والدنيا قائمة لي وقاعدة ولما استعليت بالحق عليهم وقطعت رجائي عنهم.. تلمظوا وحكموا علي بما تعلمون.

 

ظلال سيد قطب بين واقعنا المرير وواقعه الكسير

 

قلت:

هلا حدثتني عن ظلالك في حلك وترحالك وعن أفانينه ومناسبته.. وكيف خططت روائعه.. ومتى وأين؟

قال:

طلب إليَّ الأستاذ سعيد رمضان أن أشارك بمقال دائم في مجلته «المسلمون» فاخترت أن أكتب تفسيراً للقرآن وكان ذلك سنة 1951 وبهذا استمرت حلقات التفسير وانتهيت حتى الآية (103) من سورة البقرة ثم عملت على إظهار أجزاء منه بعيداً عن المجلة وكان ذلك سنة 1952 حيث صدر منه ستة عشر جزءاً ثم أكملت باقيه في السجون حيث حكموا عليّ بخمسة عشر عاماً.

قلت:

لقد عددناك عالماً مجدداً في التفسير لما أضفت إليه من أفكار حركية.. وتربوية على التفاسير السابقة بما يمكن أن نسميك «رائد مدرسة التفسير الحركي» إذ تناولت فيه قضايا «العقيدة والدعوة والحركة والجهاد والتشريع والجاهلية».

 

الفكر الإسلامي الحديث ومستقبله القيادي عند سيد قطب

 

يبدأ سيد قطب من إفلاس الديمقراطية الغربية، ومن التنبؤ بإفلاس الاشتراكية الماركسية - وهو ما وقع بعد ذلك بثلاثة عقود من الزمانـ

قلت:

وما رأيك من قيادة الرجل الغربي للعالم بما فيه عالمنا الإسلامي؟

قال:

إن قيادة الرجل الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال، لأنه لم يعد يملك رصيداً، من القيم يسمح له بالقيادة، والإسلام وحده هو الذي يملك مقومات هذه القيادة.

 

سيد قطب طليق بفكره وإيمانه

 

قلت:

يا صاحب الظلال لله دركـ كيف عشت هذه الأيام العجاف.. أيام حكم الطواغيت.. وكيف وقفت في وجههم.. وأنىَّ لك أن تواجه مكائدهم.. وأنت ذو الجسد النحيل.. والجسم العليل.. والمرض الملازم.. أما تراجعت لهم.. أما استسغت أن تبري قلمك في مدحهم وتحاول أن تصيب بعضاً من دنياهم.. أو حتى تداريهم على مذهب من قال:

إًذَا مَا كُنْتَ ثمةَ في مَعْشَرً

قَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلى بُغْضًهًم

فَدَارًهًمْ مَا دُمْتَ في دارًهًمْ

وَأَرْضًهًم ما دُمْتَ في أَرْضًهًم

قال:

يا بن ياسين.. عد إلى مقدمة الظلال... وشروح آيات العذاب والوبال.. وستجد ما يشفيك ويغنيك عن سؤالك وإليك نبأ من أخباري ونتفاً من أحوالي وإلا يطول بنا المقام لسردها.. وتضييق بنا الورقات عن وصفها «عشت في ظلال القرآن هاديء النفس مطمئن السريرة، قرير الضمير عشت أرى يد الله في كل حادث وفي كل أمر...عشت في كنف الله وفي رعايته عشت استشعر إيجابية صفاته تعالى وفاعليتها » (أَمَّنْ يُجًيبُ الْمُضْطَرَّ إًذَا دَعَاهُ وَيَكْشًفُ السُّوءَ) (3) (وَهُوَ الْقَاهًرُ فَوْقَ عًبَادًهً) (4). (وَمَنْ يَتَّقً اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مًنْ حَيْثُ لا يَحْتَسًبُ) (5) (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهً فَهُوَ حَسْبُهُ إًنَّ اللَّهَ بَالًغُ أَمْرًهً) (6).

أما عن مواقفي من طواغيت عصري فإنها بادية للعارفين.. ومثبتة في كتب الأعداء قبل الأصدقاء إنها الجلد بالله.. والصبر على قضاء الله وبالإيمان واجهتهم لقد أفزعت نظراتي محاكمهم الظالمة..

وكالعادة أُصدرت عليه أحكام بالإعدام وفي ليلة التنفيذ ساوموه على أن يخط حرفاً يمتدح فيه طاغوت مصر وفرعونها.. فأبى وألح حمزة البسيوني مدير السجن الحربي على أخته حميدة لكي تضع أخاها بمقاله كليمات معدودات يصبح بها في عداد أقطاب النظام فأبى سيد قطب وكأن لسان حاله يقول:

لَعَمْرُكَ إًنَّي أَرَى مَصْرَعي

وَلَكًنْ أغـذ إليه الخُطَـا

لَعَمْرُكَ هَذَا مَمَاتُ الرًّجَالً

فَمنْ رَامَ مَوْتاً شَرًيفاً فَذَا

فاستعليت بالله وصبرت على قضاء الله ورأيت فكري وقلمي وديني يأبى علي إلا الصمود عساني ألحق بالصديقين والشهداء والصالحين.. وحسن أولئك رفيقاً.

 

 

(1) البيت للمتنبي من بحر الخفيف.

(2) الأبيات من بحر الوافر

(3) سورة النمل: 62

(4) سورة الأنعام: 18

(5) سورة الطلاق: 3ـ2

(6) سورة الطلاق: 3

 

 

   
 

  الصفحة الرئيسية | رسالتنا | خريطة الموقع | مقالات وأبحاث | كتب ومؤلفات |اتصل بنا
جميع الحقوق محفوظة لشركة السماحة © 2007